المنجي بوسنينة

178

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

في الدراسة الشيخ عبد الرحمن بن عودان ، الذي نقل إلى عنيزة ، واستمر في قضاء شقراء حتى عام 1366 ه / 1937 م . ثم أعيد في قضاء ساجر عام 1367 ه / 1938 م ، ولم يمكث فيها سوى سنة ونصف تقريبا . بعد ذلك عودا على بدء نقل للرياض ، قاضيا في المحكمة المستعجلة بحي دخنة ، وكان يقضي بين الناس في مدخل بيته ، حيث لم يخصص للمحاكم أمكنة خاصة بالقضاء ، واستمر في عمله هذا مدة طويلة . وبعد إحداث محكمة التمييز للقضايا الشرعية ، لأول مرة في الرياض تعين فيها ، وكان من أوائل قضاة محكمة التمييز بالرياض إلى أن طلب في عام 1393 ه / 1972 م ، الإحالة على التقاعد ، بعدما تقدم به السن مع خدمة بلغت 51 عاما . ولمكانته وعلمه وهدوئه في معالجة الأمور ، فإن الملك عبد العزيز ، يعهد إليه مرافقة عمال جباية الزكاة مع البادية للفتيا ، ولتوضيح أنصبة الزكاة وللوعظ والإمامة ، في كثير من الأعوام ، مع عمله المعهود به إليه ، وهذه المهمة ذات وقت محدّد من السنة . وقد ذكر لي ، رحمه الله ، أنه طوال عمله في القضاء لم يكن له مجلس قضاء خاص في جميع الأماكن التي تنقّل فيها ، بل كان كشأن القضاة قبله يجلسون للخصماء والسائلين ، في المسجد أو في الطريق ، أو في مدخل بيته ، ولا يتحدد عمله بدوام معين ، بل يأتي إليه الخصماء متى شاؤوا ليلا أو نهارا ، وفي الفجر وبعد طلوع الشمس ، وبنهاية الصلوات الخمس ، ويجلس لهم في أقرب مكان يلتقون به فيه ، حيث تتمثل البساطة بأجلى صورها . من ذكاء القاضي الذي يتعامل مع نوعيات من البشر ، قد ضعف الوازع من قلوبهم ، أن يستعمل السياسة الشرعية ، التي تبين له ما يعينه على إيصال الحق إلى صاحبه ، وفق العدالة التي تقتضيها أحكام الإسلام المنصفة للناس بعضهم من بعض . فكان الشيخ محمد البواردي يتفرس في الخصمين وفي الشهود من جوانب عديدة : طريقة الكلام الإدلاء بالحجة ، أو الدفاع من الجانب الثاني طلب الإعادة من كل منهما ، مرة أو أكثر ، للتأكيد من صحة الادعاء أو الدفاع لعله يجد تباينا ينفذ منه ، ملامح الوجوه ، تتبع السيرة لكل منهما في التعامل ، إن أمكن ، وغير هذا مما يجده القاضي معينا له في استجلاء الحقيقة . ومن واقع القضايا والخصومات الكثيرة التي مرت به ، فإنه كان ذا فراسة نافذة ، في كل ما يعرض عليه من قضايا شرعية في المحكمة ، ويدرك بحاسته لهجة الصادق من الكاذب ، والمتحايل من سليم الطوية ، يذكرنا بفراسة وذكاء إياس بن معاوية القاضي . . ومن ذلك : 1 - عندما كان في الجبيل : كان يوجد أخوان أحدهما اسمه محمد ، والآخر اسمه أحمد وهما توأمان وشبههما واحد ، ولكل منهما سفينة شراعية صغيرة يرتزق عليها ، سعيا ما بين البصرة والكويت والبحرين ، والجبيل . فأخذ أحمد دينا من تاجر بالجبيل ، وماطله الوفاء ، فاشتكاه إلى قاضي الجبيل محمد البواردي ، فلما حضر أنكر أحمد المدعى عليه ، وأن الحاضر في مجلس القضاء محمد ،